09 , سبتمبر 2026

القطيف اليوم

من نيبال إلى "الطبعة"

أخذتني تلك المشاهد القادمة من فيضان نيبال الحديث إلى مكان يبعد عنها آلاف الكيلومترات، وإلى زمن يفصلنا عنها أكثر من 100 عام. كنت أرى الماء مندفعًا في عنف لا يحترم طريقًا ولا يستأذن حاجزًا، أمواج كالجبال (في موج كالجبال) تجرف كل ما يعترض طريقها، كانت المباني والسيارات التي اعتدنا أن نراها راسخة, تنجرف مع السيل وكأنها قطع العاب صغيرة مفتقرة للوزن. في لحظة خاطفة، غابت نيبال من أمامي وحضرت بدلا منها القطيف، محملة بكلمة سمعتها منذ الصغر و بشيء من الرهبة, انها الطبعة.

هذه هي الذكرى المئوية لفاجعة ضربت منطقة الخليج وعاصفة بقيت محفورة في الذاكرة الشعبية باسم «سنة الطبعة». مات الذين عايشوها، وكثير ممن سمعوا تفاصيلها مباشرة من أفواه الناجين، وبقيت شذرات من الحكايات، وأسماء وروايات متناثرة، بذاكرة تتناقص كلما غادرنا شاهد عيان. ومثل هذه الأحداث لا يكفي أن تبقى تاريخًا مكتوبًا في بضعة أسطر, من قبيل هبت الريح، هاج البحر، غرقت السفن، مات كثير من البحارة، بينما نجى قلة منهم. الحقيقة ان في طيات كل حدث منها يكمن عالم كامل من القصص الانسانية الممزوجة بالخوف والانتظار والفقد والحسرة.

جرفتني نيبال للطبعة فتخيلت البحر قبل أن يهيج. ماذا كان يفعل البحارة في الساعات الأخيرة من الطمأنينة؟ ماذا قال النوخذة للبحارة والغواصين عندما رأى وجه السماء بدا في التغير والانقلاب؟ ومن كان أول من أدرك أن الأمر ليس مجرد ريح عابرة؟ سمعت صرير خشب السفن وهي تتصادم، الحبال ينجرف، الرجال يتهافتون وسط الريح العاتية، الموج يرتفع حتى يختلط البحر بالسماء. تمثلت لي اليابسة، قاوم النخيل الرياح طويلًا ثم ما لبث ان تساقط وانجرف وتطاير. الماء يقتحم العشش والازقة والزرانيق وكل ما كان بالأمس بعيدًا عن سطوة البحر. بصمة الكارثة واضحة في كل اركان القطيف مع أجزاء واسعة من الخليج، فاجعة تصيب من يطلع على تفاصيلها بالذهول والالم.

لدينا كاتب مميز في القطيف اليوم, استمتع وانا اقرا قصصه. لن أذكر اسمه؛ وربما سيعرف أنى اقصده إذا قرأ هذه الكلمات. في سردياته السابقة لم يكن يخبرني فيها بما حدث فحسب، بل كان يتجول بي في ارجاء المكان. كنت أرى الشوارع والوجوه، وأسمع الأصوات، وأشعر بالمسافات بين الشخصيات والازقة. وتلك- في ظني- موهبة متباينة عن مجرد القدرة على الكتابة؛ أن تستطيع أن تضع قارئك داخل زمن لم يعشه ومكان لم يزره، ثم تتركه يتجول هناك قليلًا حتى يكاد ان ينسى أنه يقرأ مجرد قصة. وحين استحضرت الطبعة في ذهني، خطر لي قلمه المبدع, فكسرت قلمي, اجلالا لوحي قلمه, ليس لها الا أبو"....".

سأكتفي باقتراح أربعة مشاهد لعل كاتبنا العزيز يتقبلها او يتقلبها. المشهد الأول, ما قبل الطبعة. وددت لو يأخذنا إلى يوم روتيني قبل أن يعرف الناس أنه سيكون اليوم الأخير لعالمهم الهادئ الذي سبق الفاجعة. السفن والبحارة والغواصين والنواخذة، إلى رائحة البحر، وحركة المرافئ، وأحاديث الناس وامنياتهم عن الرزق واللؤلؤ والعودة سالمين. نريد أن نعرف مناصب الرجال قبل أن يصبحوا ضحايا في سجل الحادثة. نريد أن نجلس معهم، ونستمتع بأحاديثهم، ونترقب مع من ينتظر رجوعهم الى البيوت.

في المشهد الثاني ستكون الطبعة نفسها. أكثر تفصيلا من أن البحر قد هاج؛ بل سوف يجسد لنا هذا الهيجان حتى نراه شاخصا امامنا فتزداد نبضات قلوبنا مع إيقاع قلوب من صادف ذلك المشهد المفزع المريب. استشعر الريح وهي تضرب الوجوه، والموج وهو يعلو ويرتطم، والسفينة وهي تفقد قدرتها على الصمود، والأيدي وهي تتشبث بما بقي من فتات الخشب، وصيحات الرجال التي تبتلعها الذاريات. وفي القطيف، هاهي الناس تصارع أمام قوة لا يملكون صدها، نخيل تهتز ثم تسقط، ومياه تجرف كل ما يعترض طريقها. شبيهة بتلك الصورة التي جرفتني من نيبال إلى الطبعة. لحظة عجز امام إرادة الله ومشيئته مدرك بان كل ما بناه الانسان وامتلكه، ضعيف امام جند الله من ماء وهواء.

اقترح ان يكون المشهد الثالث مخصصا لما بعد الكارثة، ربما سيكون أشد قسوة من العاصفة نفسها. صباح اليوم التالي, بحر هدأ يلفظ حطام بعض الناجين، والبحث مستمر على قدم وساق عن المفقودين، والاخبار تتناقلها الناس روايات زيادات مبالغات وحقيقة ضائعة. امرأة تنتظر زوجها الذي لن يعود، وأم ثكلى تبحث في وجوه القادمين عن ابنها المعرس، وطفل لا يدرك بعد تبعات اليتم, لم يفهم لماذا عاد بعض رجال الحي ولم ولن يعود أبوه.

ختاما سيكون المشهد الرابع والأخير مثقلا بتفاصيل التعرف على الأجساد والتقاطها ودفنها. أجسام عادت على ضفاف الشاطئ وأخرى لم تعد. قبور مشيعون يمشون مثقلين، بيوت استوطنها الحزن وتوشحت بالحداد، وبلدة تحاول أن تستوعب هول الكارثة. يهيل الناس التراب، يعودون إلى بيوتهم، وتبقى تتملكهم الحسرة واللوعة لسنوات.

ختاما وبعد 100 عام على الطبعة، ربما حان الوقت أن نستذكر الفاجعة التي مر بها اجدادنا كما صارعوها، وان نقرا لأرواحهم الفاتحة. وأن تتحول الذاكرة الشفوية إلى مشاهد حية موثقة يتناقلها الأجيال. أما أنا بدوري فقد أوصلت الرسالة، واقترحت المشاهد، وسأتوقف هنا. لأنني أعرف صاحب القلم المبدع الذي يستطيع (ان شاء وتفضل) أن يجول بنا إلى حيث ما قبل ما كابدوا؛ وإلى البحر قبل أن يغضب، وإليه وهو يبتلع السفن والبشر، وإلى القطيف وهي تنتظر جثامين فلذات اكبادها، ثم إلى المقبرة حيث مأواهم الاخير. وقد عرف صاحب ذلك القلم - فيما أظن - أنني أقصده.


error: المحتوي محمي